سعيد حوي
1636
الأساس في التفسير
ما يُوحى إِلَيَّ . أي : لست أخرج عنه قيد شبر ، ولا أدنى منه ، وما أخبركم إلا بما أنزل اللّه عليّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ هذا مثل للضال والمهتدي ، أو لمن اتّبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع ، أو لمن يدّعي المستقيم وهو النبوة مع الدليل والبرهان ، والمحال وهو الإلهية أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ من أجل ألا تكونوا ضالين ، أو من أجل أن تعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر ، أو من أجل أن تعلموا أن اتّباع ما يوحى إليّ ممّا لا بدّ لي منه . وتعليقا على هذه الآية ، وتبيانا لكون العقل بدون الوحي أعمى ، وتوضيحا لمحل العقل بالنسبة للإنسان يقول صاحب الظلال : « ثم . . إنّ اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ؟ سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه اللّه للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي ، وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ، وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي ، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف ، وسوء الرؤية ، ونقص الرؤية ، وسوء التقدير ، وسوء التدبير . يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة ، وحادثة بعد حادثة ، وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما ، ويضع على أساسها نظاما ، ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج اللّه وهداه - يرتاد التجارب ، ويغيّر الأحكام ، ويبدّل النّظام ، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل ، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك يحطم كائنات بشرية عزيزة ، وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ؛ وجعل التجارب والتقلبات في « الأشياء » وفي « المادة » وفي « الأجهزة » وفي « الآلات » . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح . ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من